الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
488
مختصر الامثل
الإلزام بالوفاء بالعهد والميثاق : تدل الروايات الإسلامية وأقوال المفسرين على أنّ هذه السورة هي آخر سورة أو من السور الأخيرة التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله . لقد تمّ التأكيد في هذه السورة - لما تمتاز به من موقع خاص - على مجموعة من المفاهيم الإسلامية ، وعلى آخر البرامج والمشاريع الدينية ، وقضية قيادة الامّة وخلافة النبي صلى الله عليه وآله وقد يكون هذا هو السبب في استهلال سورة المائدة بقضية الإلزام بالوفاء بالعهد والميثاق ، حيث تقول الآية في أوّل جملة لها : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » . وذلك لكي تلزم المؤمنين بالوفاء بعهودهم التي عقدوها في الماضي مع اللَّه أو تلك التي أشارت إليها هذه السورة . فإنّ الآية تعتبر دليلًا على وجوب الوفاء بجميع العهود التي تعقد بين أفراد البشر بعضهم مع البعض الآخر ، أو تلك العهود التي تعقد مع اللَّه سبحانه وتعالى عقداً محكماً . إنّ مفهوم هذه الآية - لسعته - يشمل حتى تلك العقود والعهود التي يقيمها المسلمون مع غير المسلمين . وبعد أن تطرقت الآية إلى حكم الوفاء بالعهد والميثاق - سواء كان إلهياً أو إنسانياً محضاً - أردفت ببيان مجموعة أخرى من الأحكام الإسلامية ، كان الأوّل منها حلية لحوم بعض الحيوانات ، فبيّنت أنّ المواشي واجنّتها تحل لحومهما على المسلمين ، حيث تقول الآية : « أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ » . « الأنعام » : صيغة جمع من « نِعم » وتعني الإبل والبقر والأغنام . « بهيمة » : مشتقة من المصدر « بهمة » وتعني في الأصل الحجر الصلب ، ويقال لكل ما يعسر دركه « مبهماً » وجميع الحيوانات التي لا تمتلك القدرة على النطق تسمى « بهيمة » لأنّ أصواتها تكون مبهمة للبشر ، وقد جرت العادة على إطلاق كلمة « بهيمة » على المواشي من الحيوانات فقط ، فأصبحت لا تشمل الحيوانات الوحشية والطيور . والظاهر من الآية أنّها تشمل معنىً واسعاً ، أي تبين حلية هذه الحيوانات بالإضافة إلى حلية لحوم أجنتها أيضاً . ويتبيّن لنا ممّا تقدم أنّ علاقة الجملة الأخيرة وحكمها بالأصل الكلي - الذي هو لزوم الوفاء بالعهد - هي التأكيد على كون الأحكام الإلهية نوعاً من العهد بين اللَّه وعباده - حيث تعتبر حلية لحوم بعض الحيوانات وحرمة لحوم البعض الآخر منها قسماً من تلك الأحكام . وفي الختام تبين الآية موردين تستثنيهما من حكم حلية لحوم المواشي ، وأحد هذين